هل من فرق بين لفظتي (الصوم) و(الصيام) دلاليًّا؟


1 - ابتداءً كل عام أنتم بخير، وتقبَّل الله طاعتكم جميعًا، والمهم أن نصوم، والأهمُّ أن نُحسن في صيامنا ويتقبَّل الله.


2 - والفعل صام فِعْل ثلاثي، ومصدرُ مثلِه غالبًا على فَعْل، وقد يأتي على فِعَال، وهناك كلمات اجتمع فيها ورود المصدرين في كلام العرب، كالصوم والصيام، والضوء والضياء، والعوذ والعياذ.



3 - ولا يخفى أنَّ للعلماء مذهبين قديمين أحدهما ينفِي الترادف في اللغة تمامًا، وثانيهما يجيزه، ويحاول مانعو الترادف التفريقَ بين الكلمتين عن طريق ورودِ الاستعمال لكلٍّ منهما في معانٍ تخصه لم ترِد في الآخر، ولا يتَّضح منزعهم في كلِّ الكلمات، وإن كان القرآن لدقَّته وفصاحته أولى أن يكون فيه كلُّ تغيير له دلالة مختلفة، كما أنَّ من قواعد البلاغيين المعروفة: الزيادة في المبنى زيادةٌ في المعنى؛ فلن يستوي الصوم الثُّلاثي بالصِّيام الرُّباعي.



4 - وإذا نظرنا في كلام العلماء بخصوص هذه المادَّة، فإنَّنا نجد العينيَّ يقول في شرح سنن أبي داود (2/ 450): "والصيام والصوم واحد، وهو الإمساك لغةً" وكذا نصَّ كثير غيره.



5 - وعمليًّا، فقد اجتمع ذِكر الصوم والصيام في العديد من الأحاديث النبوية والكلام الفصيح، مع التسويةِ بينهما.



6 - ونفى ابن عابدين وجودَ فرق بين الكلمتين لما فهم أحد الأحناف أنَّ "الصيام" يدل على ما يزيد على ثلاثة أيام، فقال في "رد المحتار" (2/ 370): (قوله: "لما في الظهيرية... إلخ"، وجه الاستشهاد أنَّ هذا الفرع يدلُّ على أنَّ الصيام جمعٌ أقلُّه ثلاثة أيام كما في الآية، فإنَّ فدية اليمين صوم ثلاثة أيام، فكان التعبير به أولى؛ لدلالته على التعدُّد؛ فإن الترجمة لأنواع الصيام الثلاثة؛ أعني: الفرضَ والواجب والنفل، "قوله: وتعقب... إلخ" المتعقب صاحب النَّهر.



حاصل كلام الشارح أنَّ الصوم اسمُ جنس له أنواع، وهي الثلاثة المذكورة، فحيث عُبِّر عنه بالصوم أو الصيام يُراد منه أنواعه المترجَم لها، لا ثلاثة أيام فأكثر، قال في المغرب: "يقال: صام صومًا وصيامًا، فهو صائم، وهم صوم وصيام" اهـ، فأفاد أنَّ مدلول كلٍّ من الصوم والصيام واحد، ولا دلالة في واحد منهما على التعدُّد؛ ولذا قال القاضي في تفسير قوله تعالى: ï´؟ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ ï´¾ [البقرة: 196]: "إنَّه بيانٌ لجنس الفدية، وأمَّا قدرها فبيَّنه عليه الصلاة والسلام في حديث كَعب"؛ اهـ.



نعم، يأتي الصيام جمعًا لصائم كما علمته، لكن لا تصح إرادته هنا ولا في الآية كما لا يخفى، ولو سُلِّم أنَّ الصيام جمعٌ لأفراد الصوم، فلا أولويَّة في العدول إليه؛ لأنَّ (أل) الجنسيَّة تُبطل معنى الجمعيَّة، فيتساوى التعبير بالصوم وبالصيام، هذا تقرير كلام الشارح على وفق ما في النَّهر، فافهم، وعلى هذا فيشكل ما مرَّ عن الظهيرية، وإن قال في النهر: لعلَّ وجهه أنه أريد بلفظ صيام في لسان الشارع ثلاثة أيام، فكذا في النذر خروجًا عن العهدة، بخلاف صوم" اهـ؛ يعني: أنَّ لفظ صيام وإن لم يكن جمعًا، لكنَّه لما أُطلق في آية الفدية مرادًا به ثلاثة أيام كما بيَّن إجمالَه الحديثُ، فيراد في كلام الناذر كذلك احتياطًا، فتأمَّل).



7 - وعلى الجانب الآخر نجد من اجتهد في بيان فرقٍ استعمالي ليستدلَّ به على فَرْق دلالِي بين الكلمتين، فنجد أبا هلال العسكري في معجم الفروق اللغوية (ص325) يقول: (الفرق بين الصيام والصوم: قد يفرَّق بينهما بأنَّ الصيام هو الكفُّ عن المفطرات مع النيَّة، ويرشد إليه قوله تعالى: ï´؟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ï´¾[البقرة: 183].



والصوم:

هو الكفُّ عن المفطراتِ والكلامِ كما كان في الشرائع السابقة، وإليه يشير قوله تعالى مخاطبًا مريم عليها السلام: ï´؟ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ï´¾ [مريم: 26]؛ حيث رتَّب عدم التكلُّم على نذر الصوم).



8 - ولمن أراد ألاَّ يسلِّم له إلاَّ بعد استقراء تامٍّ لكلام العرب غير القرآن أن يَفعل، ولمن استأنس باستعمال القرآن حق.



9 - ومال المعاصرون كالعادة إلى التفرِقة، لا سيما البلاغيون، ومنهم الأستاذ علي علي صبح، وأطال في التفرقة وأدلَّتها من القرآن والسنة، ومما قال في كتابه "التصوير القرآني للقيم الخلقية والتشريعية" (ص 159، 160): (مبنى الصوم والصيام: صام؛ أي: صَوْم على وزن فعل، وهو فعل لازم أَجوف معتلُّ الواو، مصدره على وزن فعل "صام صومًا"، مثل: قال قولاً، إلا أنَّ "قال" فِعل متعدٍّ، وقد يكون مصدر صام على وزن فِعَال، صام صيامًا، مثل: قام قيامًا، ولم يرد فيه قام قومًا، مثل صوم.



لكن القياس في المصدر الذي يأتي على وزن فِعَال أن يكون فعله على وزن فاعل، مثل ضارب ضرابًا وقاتل قتالاً، وهذا الفعل ومصدره يدلاَّن معًا على المشاركة والمفاعلَة، والمجاهدة والمقاومة، والتصدِّي والتحدِّي، وغيرها من المعاني التي تتولَّد من المفاعلة، وتتأتَّى من جوانب مختلفة لا من جانب واحد.



وجاء أحد مصدرَي "صام" على صيغة الفعال والمفاعلة، وهو: "صيام" دون "صوم"؛ ليدلَّ على معاني المفاعلة؛ فلفظ الصيام قد احتوى المعاني العامَّة السابقة بل وأكثر؛ ليستمدَّ مضمونه من روافد التشريع الإسلامي لفريضة الصِّيام، ولا توجد معاني المفاعلَة في مصدر الصوم، وهو المصدر الآخر للفعل صام.



لهذا كان الإعجاز في القرآن الكريم حين صوَّر هذا الركنَ من الأركان الخمسة، التي بُني عليها الإسلام، وهو صيام رمضان، صوَّره بمصدر "الصيام"، لا بمصدر "الصوم"؛ ليتَّسع بمضمونه الحيوي لمعاني المفاعلَة والمشارَكة والمجاهدة وغيرها؛ فيكون بذلك خيرُ وعاء لغوي للبناء الأخلاقي والبناء الجسدي، وهما الغاية السامية التي يهدف إليها التشريعُ الإسلامي من فريضة الصيام).



10 - ومثله الدكتور فاضل السامرائي؛ إذ يقول في إحدى محاضراته التي حملَت عنوان "لمسات بيانية في نصوص من التنزيل": (مثلاً الصلاة، خصَّصها بمعنًى واحد وهو العبادة، الصوم والصيام، الصيام خصصها للعبادة في القرآن والصوم خصصها الصمت، ولا تجد في القرآن كلمة صوم للعبادة، وإنما كلمة صيام: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ï´¾ [البقرة: 183]، بينما الصوم خصَّصها للصمت: ï´؟ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ï´¾ [مريم: 26]؛ الصوم عن الكلام، القرآن أحيانًا يخصِّص المفردَة بمعنًى من معانيها، اللمسة البيانية في هذا التخصيص يدلُّ على القصد في التعبير أنَّه ليس كلامًا ملقًى هكذا، لكنه مقصود).



11- وربما يكون من فرق أراد أن ينتزع كل المعنى الاصطلاحي إلى صالح المعنى اللغوي، وأن الاصطلاح الإسلامي لم يخص الكلمة بجديد.


12- والخلاصة: أن المسألة قديمة البحث، وأن عددا لا بأس به يقول بأن الصوم والصيام معناهما واحد سواء من اللغويين أو المفسرين، وطائفة كبيرة قديما وحديثا تقول بالتفرقة بناء على ما رأوه من استعمالات قرآنية، مع أن في الأحاديث ما لا يساعد مذهبهم في التفرقة، وورد في القراءات صوما وصياما في آية مريم 26 {نذرت للرحمن صوما}، ولكلٍّ وجهة نظر لها احترامها، وإن كنت أميل إلى أن الفرق لم يظهر لي وأنهما بمعنى واحد، إلى أن يظهر لي تفرقة قوية بدليل يدفع ما في النفس الظن بأن حكمة العرب في كلامها تستدعي وجود فارق ولو لم يظهر لقصور البحث.


وهذه نظرة عجلى، فمن وجد خيرا فمن الله، ومن رأى الخلل فليخبرني وله الدعاء.